محمد الريشهري
3545
ميزان الحكمة
والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون ( 1 ) ، فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين ، ثم ورثوه في السفه والصبا ( 2 ) ، فالأمة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون ، فبئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله ( 3 ) ، وثواب الناس بعد ثواب الله ، ورضا الناس بعد رضا الله ، فأصبحت الأمة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة ، معجبون مفتونون ، فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين ، إن نبيا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة ( 4 ) ، ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد فخرج به من الجنة ( 5 ) وينبذ به في بطن الحوت ، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة ، فاعرف أشباه الأحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، ثم اعرف أشباههم من هذه الأمة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده ( 1 ) فهم مع السادة والكبرة ( 2 ) ، فإذا تفرقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم ( 3 ) ، لا يزالون كذلك في طبع وطمع ، لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير ، يصبر منهم العلماء على الأذى والتعنيف ، ويعيبون على العلماء بالتكليف ( 4 ) ، والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة ، إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه أو ميتا لا يحيونه ، فبئس ما يصنعون لأن الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروا به ، وأن ينهوا عما نهوا عنه ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان ، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد ، إن وعظت قالوا : طغت وإن علموا الحق ( 5 ) الذي تركوا قالوا : خالفت ، وإن اعتزلوهم
--> ( 1 ) أي جعلوا ولي الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه ، وجعلوهم رؤساء على أنفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها . كما في هامش الكافي . ( 2 ) أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل أو صبي غير عاقل ، وقوله : " بعد أمر الله " أي صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه ، والورود والصدور كنايتان عن الإتيان للسؤال والأخذ والرجوع بالقبول . كما في هامش الكافي . ( 3 ) " ولاية الناس " هو المخصوص بالذم . كما في هامش الكافي . ( 4 ) أشار به إلى يونس ( عليه السلام ) . والمراد بعصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير إذن ربه ، روي أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله تعالى . واعلم أن العصيان هنا ترك الأفضل والأولى ، وذلك لأنه لم يكن هناك أمر من الله تعالى حتى عصاه بترك الإتيان به ، أو نهي منه حتى خالفه بارتكابه ، فإطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الأولى والأفضل ، وذلك بالنسبة إلى درجات كمالهم بمنزلة العصيان . كما في هامش الكافي . ( 5 ) إطلاق الجنة على الدنيا لعل بالإضافة إلى بطن الحوت . كما قاله الفيض رحمه الله . كما في هامش الكافي . ( 1 ) إنما شبه هؤلاء العباد وعلماء العوام المفتونين بالحطام بالأحبار والرهبان لشرائهم الدنيا بالآخرة بكتمانهم العلم وتحريفهم الكلم عن مواضعها وأكلهم أموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله كما أنهم كانوا كذلك على ما وصفهم الله في القرآن في عدة مواضع ، والمراد بالسادة والكبرة : السلاطين والحكام وأعوانهم الظلمة . كما في هامش الكافي . ( 2 ) في بعض النسخ " والكثرة " . كما في هامش الكافي . ( 3 ) إشارة إلى الآية 31 من سورة النجم . والطبع - بالتحريك - : الرين ، و - بالسكون - : الختم . ( 4 ) " منهم " أي من أشباه الأحبار والرهبان " العلماء " يعني العلماء بالله الربانيين " بالتكليف " يعني تكليفهم بالحق . كما في هامش الكافي . ( 5 ) في بعض النسخ " عملوا الحق " . كما في هامش الكافي .